عبد الهادي المغربي

النطاقات شبه الحضرية الترارزية: أي تنمية ؟

0 التعليقات
 الدكتور: محمد المامي ولد محمد عبد الله
              imema2007@yahoo.fr
إن شرح نمو وتوسع مدينة ما أو فئة معينة من المراكز الحضرية، يستلزم التمييز ما بين العوامل الداخلية المشتركة مع بقية مدن ومراكز نفس النظام، والتي تمكن كل مكوناته من التكاثر نظريا بوتيرة متوسطة، كحد أدنى، والشروط الأخرى النوعية والخارجية، التي تتدخل، فتجعل نسب وتيرة التزايد تتجاوز المتوسطات الجهوية أو الوطنية. وفي هذا الإطار فقد اشتركت المراكز الترارزية، مع غير ها من المراكز الموريتانية في عوامل عدة ارتبطت بتدهور الحياة الفلاحية وتحسين الظروف الاقتصادية، إلا أن هذه المراكز كانت لكل منها خصوصيته التي ينفرد بها عن غيره، وهذه الخصوصية ترتبط أساسا بالموقع الجغرافي، والدور الوظيفي التي لعبته كل مدينة في محيطها.
ويمكن تمييز فترتي تمدين كبيرتين عرفتهما المنطقة، تمتد الأولى من بداية القرن العشرين وحتى 1960. والثانية من 1960 إلى يومنا هذا. وقد اقترنت الأولى (1903-1960) بدخول الاستعمار إلى المنطقة، والبدء في وضع أسس السياسات الاستعمارية، من حفر للآبار وبناء للقلاع العسكرية والمدارس وغيرها. وتميزت هذه الفترة بحدوث نمو حضري طفيف، عرفته مراكز بوتلميت والمذرذرة وروصو. وتميزت المرحلة الثانية (1960 وحتى الآن)، بتزامن هذه الفترة مع حصول موريتانيا على الاستقلال وجلاء المستعمر من جهة، وظهور مدينة نواكشوط كعاصمة ناشئة للبلاد في مجال الولاية، من جهة ثانية. وتعتبر هذه المرحلة أهم مرحلة تمدين في تاريخ المنطقة، فبالرغم من أن نواكشوط استجذبت إليها أعداد مهمة من ساكنة البلاد، إلا أن المراكز الحضرية الترارزية، جذبت إليها هي الأخرى، نسبة مهمة من الساكنة الريفية. وتميزت هذه الفترة كذلك، بالقفز الديمغرافي القوي، الذي مر معه عدد  سكان الترارزة من 211800 نسمة سنة 1965 إلى 268220 نسمة سنة 2000.
وقد رافق هذا التوسع المجالي للمراكز الترارزية، تحسن ملحوظ في ظروف الأسر العامة، وخاصة منها ظروف السكن، ذلك أن الحياة المدينية، فرضت التحول من المساكن ذات الطبيعة الريفية، القابلة للتنقل، إلى مساكن أكثر ثباتا، وهو ما استدعى من الساكنة التكيف مع الطبيعة الحضرية الجديدة، رغم الصعاب التي تكتنف وتحيط بهذا التحول. خاصة وأن السلطات لم تلعب أي دور في مجال تهيئة المجالات المستقبلة للوافدين الجدد، وهو ما ترتب عليه خصاص كبير، حتى على مستوى الخدمات الاجتماعية الضرورية للحياة المعاشية عموما، والمدينية خصوصا.
فحتى مطلع السبعينيات، كانت حصيلة انتشار التجهيزات التعليمية والصحية والثقافية العمومية والخصوصية بالترارزة محدودة للغاية، ومُركَّزة من الناحية المجالية، بسبب الإرث الضعيف لفترة الاستعمار وتركز الجهود طيلة الستينيات على إعادة إعمار مدينة نواكشوط، غير أن ملامح هذه الصُّورة ستبدأ تتغير بعد هذا التاريخ، تبعا لعملية تنقيح الخريطة الإدارية والترقيات المتصلة بها، والسياسات المتبعة من قبل الدولة، في ميدان التجهيز الاجتماعي.
 وبالفعل، تم في ظرفٍ ليس بالقصير، إحداث بعض التجهيزات العمومية، وإن كانت بشكل غير كافٍ ولا مَرْضٍ، وخاصة على المستويين التعليمي والصحي، إذ لوحظ أن تطور المؤسسات في هذين المجالين، ظل بطيئا من حيث عددها، والعاملين عليها من جهة، ومختلا من حيث التمايز والتوزيع المجالي من جهة أخرى، وهو ما جعل القطاعين، رغم أهميتهما وحيويتهما، دون المستوى المطلوب في عموم الولاية.
 هذه الوضعية المختلة، جعلت المجال عرضة ومسرحا لديناميات مختلفة، كان من نتائجها، وجود مورفولوجية حضرية (إن لم نقل ريفية)، غير متناسقة وهشة في مجملها. ووجود حركات سكانية مختلفة الوجهات، عملت على إفراغ مناطق لحساب أخرى، كان المتضرر منها بالدرجة الأولى هو المراكز الحضرية، التي ما كانت مهيأة، أصلا، لساكنتها الأصلية، فضلا أن تكون مهيأة لاستقبال وافدين جدد، وهو ما زاد من الضغط والطلب على المرافق والتجهيزات والخدمات الإدارية والتأطيرية، التي ظلت دون المستوى، سواء من حيث النوعية أو من حيث شمولية التغطية.
وقد عملت الدولة، في محاولة منها لإعادة التوازن المجالي، على تنفيذ سياسات ومخططات يظهر من خلالها التهميش الذي تتعرض له المنطقة، فأغلب المشاريع والتدخلات في الولاية، إما قديمة، تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ولا ترقى إلى ما هو مطلوب، أو سياسات وبرامج استعجالية هشة، الهدف منها سياسي في المقام الأول، واستثناء، نُشِيد بالسياسة التي اتبعتها الحكومة حديثا في مجال التخطيط الحضري والقضاء على الأحياء العشوائية، والتي شملت إلى حد الآن مدينة روصو ونواكشوط ونواذيبو، حيث بدأت ظاهرة التوسع العشوائي تختفي في هذه المدن.          
                           المصدر: موقع دروب الإخباري
بتاريخ 17 ديسمبر، 2012
تابع القراءة Résuméabuiyad

ملخص مقال "السياحة الصحراوية" :مؤهلاتها وانعكاساتها البيئية، مع أمثلة من موريتانيا

0 التعليقات
الملخص
أضحت السياحة -بفضل العولمة- أسرع الأنشطة الاقتصادية نموا في العالم، لكن النمو المطرد للأنشطة السياحية نجمت عنه آثار غير محمودة على المحيط الطبيعي، سواء في البلدان الغنية؛ حيث تؤدي زيادة أوقات الفراغ وتنامي مختلف أنماط السياحة إلى اشتداد الضغط على البيئة، أو في البلدان الفقيرة حيث توجه السياحة لتخدم أغراضا اقتصادية بحتة؛ كجلب العملة الأجنبية، وتوفير فرص العمل، وحيث تعامل المواقع الطبيعية والأثرية كمنتجات استهلاكية.
فنمو السياحة الجامح الهادف إلى تحقيق فوائد قصيرة الأمد كثيرا ما يفضي إلى حدوث آثار سلبية؛ تضر بالبيئة وبالمجتمعات وتدمر الأساس الذي تقوم عليه السياحة وتزدهر. لذلك تواجه الوجهات السياحية التقليدية والناشئة - بما فيها الوجهات الصحراوية – ضغطا متزايدا على بيئاتها الطبيعية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
ويهدف هذا العمل؛ إلى مقاربة بعض جوانب العلاقة الإشكالية بين البيئة والسياحة، في المناطق الصحراوية عموما وموريتانيا بصفة خاصة. وقد حاولت الدراسة في البداية ضبط بعض المفاهيم الأساسية من قبيل لفظة البيئة، والنظام البيئي، والنظم البيئية الصحراوية، والسياحة البيئية. كما سعت إلى تبيان المقومات البيئية للسياحة الصحراوية بموريتانيا، والتي شملت معطيات البيئة الطبيعية؛ من مناخ ومشاهد صحراوية متنوعة، وكذا مفردات البيئة البشرية؛ من آثار وتراث ثقافي زاخر.
وفي محور آخر عالج البحث بعض الآثار البيئية السلبية للسياحة الصحراوية؛ كالإفراط في استغلال الثروات والتلوث والنفايات الناجمة عن تطوير البنية التحتية والمرافق السياحية والنقل وأنشطة السياحة ذاتها. كما لم يغفل الجوانب المتعلقة بالبيئة البشرية، إذ قد تشكل السياحة خطرا على ماهية ووجود مكونات البيئة الاجتماعية الاقتصادية، والتراث الثقافي والفني نفسه.

كلمات مفتاحية: سياحة صحراوية، بيئة صحراوية، تنمية مستديمة، موريتانيا.

Résumé
Grâce à la mondialisation, le tourisme est devenu l’activité économique mondiale la plus en vogue. Cependant le développement accéléré de tourisme a entrainé des effets négatifs sur le milieu naturel aussi bien dans les pays développés que dans ceux en voie de développement.
L’altération du milieu naturel se trouve accentué, dans les pays développés, par l’apparition des nouveaux aspects du tourisme et l’abandon du temps libre, tandis que dans les pays en voie de développement ou les sites naturels se substituent aux produits de consommation, l’orientation du tourisme vers des objectifs purement économique comme le drainage de devises, la création d’emploi a participé largement à cette altération.
La croissance du tourisme, orienté vers des objectifs à cout terme, est la cause principale des effets nuisibles à l’environnement naturel et social et détériore l’équilibre nécessaire à son épanouissement.  C’est ainsi que les destinations traditionnelles et émergentes, y compris sahariennes, continuent à subir des pressions perpétuelles sur leurs environnements naturels, culturels et sociaux – économiques.
Ce travail puise dans les rapports problématiques entre l'activité touristiques et l’environnement dans lez zones sahariennes en général en Mauritanie en particulier. En premier lieu,  cette étude, a défini les concepts fondamentaux dont l’environnement, le système environnemental, le tourisme saharien et le tourisme adapté à l’environnement et a montré en second lieu, les atouts du tourisme écologique en Mauritanie dont les données naturelles qui englobent le climat et les paysages sahariens diversifiés, ainsi que l’environnement humain dont les vestiges et le patrimoine culturel riche et varié.
Dans un autre registre, l’étude a traité les effets négatifs du tourisme saharien dont l’utilisation sans limites des ressources naturelles, la pollution, les déchets et ordures engendrés principalement par le développement des infrastructures, des équipements touristiques et du transport ainsi que les activités touristiques. L’étude a également mis l’accent sur l’environnement humain, ou le tourisme pourrait avoir des impacts négatifs sur les composantes sociales et économiques ainsi que sur le patrimoine culturel et artistique.

   Mots clés : Tourisme saharien, environnement désertique, développement durable, Mauritanie

للاطلاع على البحث كاملا:  مجلة "دراسات موريتانية"، العدد 1، ص ص: 210 236.
المصدر: مدونة الكناش الرقمي                                                         
تابع القراءة Résuméabuiyad

تطور شبكة الطرق البرية وعلاقته بالتحولات السكانية بمقاطعة المذرذرة

0 التعليقات
                                            سليمان ولد حامدون- باحث دكتوراه في الجغرافيا

      مقاطعة المذرذرة هي إحدى المقاطعات الست المكونة لولاية الترارزة، وتعد المذرذرة تاريخيا القلب السياسي والثقافي لبلاد الترارزة؛ فهي مركز بيت الإمارة والمسرح الجغرافي لأهم أحداثها السياسية. وتضم المقاطعة اليوم خمس بلديات هي: الخط، والمذرذرة، والتاكلالت، وأبير التورس، وتكند.
   وتقع مدينة المذرذرة –عاصمة المقاطعة- في الطرف الجنوبي لمنطقة إيكيدي، عند تقاطع درجة العرض: 16 درجة و53 دقيقة و47 ثانية شمالا وخط طول: 15 درجة و45 دقيقة و21 ثانية غربا. وتعود تسمية “المذرذرة” (أي المتهدمة) إلى سرعة تهدم محفرها الأول، الذي حفر حول موقع بئر قديمة كانت تدعى “أنذيكرتن” أي “بئر ذيكرتن” وهم بطن من قبيلة “أنكادس"[1] وهي قبيلة صنهاجية منقرضة تعد من أقدم مجموعات القبلة.
ولقد عرفت المقاطعة –كغيرها من مناطق موريتانيا- تحولات سكانية ومجالية عميقة خلال العقود الأربعة الأخيرة. ولعل من أبرز مظاهر تلك التحولات ما هو متصل بتطور شبكة النقل والمبادلات، وتغير الخريطة السكانية. ذلك ما تحول هذه الورقة معالجته من زاوية جغرافية.
وانطلاقا من المعطيات المتوفرة والمصادر المعتمدة تلقي هذه المعالجة الضوء على التطور التاريخي لشبكة الطرق البرية في المنطقة المعنية منذ العهد الوسيط وحتى الاستقلالثم تحاول رسم صورة للخريطة الحالية للطرق البرية، على أن تخلص في المحور الأخير إلى محاولة رصد أهم التحولات السكانية من حيث الحجم والتوزيع، في الزمان والمكان.

أولا: نظرة على التطور التاريخي لشبكة الطرق البرية
يعود البدء في تشييد أول طريق معبد يعبر مقاطعة المذرذرة إلى سنة 1967[2]، لكن مجال المقاطعة الحالي عرف ظهور عدد من الدروب والمسالك الترابية منذ عهود قديمة؛ ولعل أهم تلك الدروب طريق القوافل الساحلي الذي كان يصل في العصر الوسيط مملحة آوليل بنول لمطة، وطريق آوليل – آوداغست.
عرفت هذه الدروب والمسالك تغيرات عديدة بفعل عوامل متنوعة لعل أهمها المبادلات التجارية الأطلسية بين السكان المحليين والقوى الأوربية، خاصة فرنسا التي بسطت نفوذها على البلاد تدريجيا، واختطت إدارتها الاستعمارية طريقا بريا يربط بين السنغال والجزائر عبر موريتانيا.

1-  الطريق الساحلي: آوليل – نول لمطة
وكان ينطلق من نول لمطة (واد نون) في جنوب السوس الأقصى على الساحل الأطلسي للمغرب، ويتجه جنوبا ليصل إلى مملحة آوليل. وكانت القوافل تقطعه خلال شهرين، ويربط بعض الباحثين ظهور هذا الطريق بالرحلات البحرية القرطاجية خلال القرن 5 ق. م[3].
وتعد مملحة آوليل من بين أشهر الممالح التي عرفت رواجا تجاريا كبيرا خلال العصر الوسيط كما تعتبر من أقدم الممالح استغلالا[4]. وقد ذكر ابن حوقل في القرن العاشر أن حمل الجمل من ملح آوليل كان يباع بثمن يتراويح ما بين 200 و300 مثقال من الذهب[5].
لقد اختلف المؤرخون في تحديد الموقع الحالي لمملحة آوليل فهو قد يكون ((معدن "الخشيم" الذي يبعد نحو تسعين كلم شمال نواكشوط، أو معدن "أنتررت" الذي يبعد نحو مائة كلم جنوبه، أو معدن "جوز" (الجريدة) الذي يبعد نحو ثلاثين كلم إلى الشمالي الغربي من نواكشوط))[6]، ومن المرجح أن مملحة آوليل هي بالفعل التي تحمل في الوقت الحالي اسم “أنتررت”[7] والواقعة بالقرب من مدينة تكند.

  2 - طريق آوليل - آوداغست
كانت تنطلق من نهاية الطريق الساحلي الجنوبية (آوليل) طريق أخرى تتجه من الغرب إلى الشرق، مسافة شهر من السير تؤدي إلى آوداغست. ويعتقد أن القوافل المحملة بملح آوليل كانت تستغل المنخفضات الواقعة بين الكثبان الرملية حتى تصل إلى الحدود الجنوبية لآوكار الغربي، لتتجه شرقا بين آوكار ولبراكنة، وتصل إلى الحوض (آوداغست) بعد أن تعبر مضيق جوك بين هضبة تكانت والعصابة، من الموقع الذي يمر به الطريق المعبد الحالي “طريق الأمل”[8].
3 -  الطريق الامبريالي
مثل احتلال الفرنسيين لموريتانيا منذ 1903م منعطفا هاما في تاريخ النقل البري في البلاد كغيرها من أقطار المنطقة. حيث ارتكزت السياسة الفرنسية على إقامة نقاط قوية على السواحل ثم التوغل تدريجيا نحو الداخل، بحثا عن مصادر الثروة وتقوية للسيطرة السياسية الاستعمارية. وهي خطة مشابهة لتلك التي اتبعتها في معظم دول إفريقيا الغربية الفرنسية  (A.O.F.).
وهكذا أقام الفرنسيون عند المذرذرة مركزا عسكريا وإداريا سنة 1325 هـ[9]، حيث ارتبطت كغيرها من المراكز العسكرية والإدارية بمسالك جديدة. وفي سنة 1927 تمت أول رحلة بالسيارات بين “روصو” و"أطار"[10]. وشكلت هذه الرحلة بداية ظهور أهم مسلك خلال الفترة الاستعمارية عرف باسم “الطريق الإمبريالي”.
ففي سنة 1934 وبعد القضاء على المقاومة المسلحة في موريتانيا سعت فرنسا إلى ربط مستعمراتها في شمال إفريقيا بمثيلتها في غربها بطريق يعبر موريتانيا، حيث دأب المسؤولون الفرنسيون في البلاد على التنويه بالأهمية الحيوية لطريق كهذا ودوره في تنمية المبادلات التجارية[11].
 وكانت تهيئة الطريق الامبريالي ومعلمته قد سهلت للقوات الفرنسية في كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا التواصل والتنسيق فيما بينها، كما ضمنت تزويد الحاميات العسكرية بالمؤن والذخيرة. وفضلا عن الدور العسكري-الاستراتيجي للطريق فقد ساهم في بعث حركية تجارية ساعدت على نمو بعض المراكز على طوله وكان يعبر الأجزاء الغربية من مقاطعة المذرذرة متخذا مسلكا قريبا من مسار محور روصو – نواكشوط الحالي.

ثانيا: الخريطة الحالية لشبكة الطرق البرية بمقاطعة المذرذرة
يخترق مقاطعة المذرذرة محوران رئيسيان للنقل البري؛ يتمثل أولهما في الطريق المعبد نواكشوط – روصو وهو ذو امتداد شمالي – جنوبي. أما المحور الثاني فهو طريق ممهد ذو امتداد شرقي – غربي ويتألف من ثلاثة مقاطع هي: تكند – الأطلسي، وتكند – المذرذرة، والمذرذرة – الركيز. هذا فضلا عن عشرات المسالك البرية الأخرى لعل أهمها مسلك المذرذرة – روصو البالغ طوله 70 كلم[12].

1 -  طريق نواكشوط – روصو
بنيت هذه الطريق بين سنتي 1967 و1970 بتمويل مشترك بين الدولة الموريتانية والصندوق الأوربي للتنمية[13]، وهي تخترق الأجزاء الغربية من مقاطعة المذرذرة (بلدية تكند).
وجاء رصف هذه الطريق تلبية لاحتياجات اقتصادية ملحة ألا وهي تموين مدينة نواكشوط ومن خلالها مناطق الشمال والوسط بالسلع والمواد المستوردة عبر ميناء دكار الذي كانت تمر منه وقتئذ كل واردات البلاد تقريبا. إضافة لذلك توفر الطريق الاتصال بالمناطق الزراعية والرعوية في الجنوب والجنوب الشرقي التي ينتظر أن تكون ظهيرا يزود مدينة نواكشوط بمنتجاته الفلاحية، وسوقا تستخدم مرفأ نواكشوط المنشأ سنة 1966 لاستيراد حاجياتها وتصدير منتجاتها، مما سيسمح تدريجيا بالحد من البضائع القادمة من دكار ويدفع بـ”مرتنة” قطاع النقل الطرقي وقطع التبعية الاقتصادية للسنغال.
إن أهمية ودور الطريق ظلا وثيقي الصلة بنشاط منشآت نواكشوط البحرية, لذلك تناقص حجم الحركة القادمة من الجنوب بارتفاع حجم واردات مرفأ نواكشوط. وفي المقابل زاد حجم الحمولة المتجهة جنوبا عبر الطريق. ولأنها لا تمتد على مسافة طويلة وتكاد تكون طريقا دولية لاعتمادها على التبادل الدولي أكثر من المحلي، فإنها فقدت جزءا كبيرا من حيويتها مع افتتاح ميناء الصداقة والأزمة مع السنغال وما تبعها من إغلاق للحدود بين البلدين سنة 1989.
وإن كان إنشاء طريق نواكشوط – نواذيبو منذ 2004 قد مد محور نواكشوط – روصو بحيوية جديدة في ضوء تنامي حركة المسافرين وأدفاق المبادلات التجارية الإقليمية.

2 -  طريق تكند - المذرذرة
يبلغ طوله 48 كلم من التربة المدعمة، وقد بنيت هذه الطريق بين سنتي 1995 و1997، بتمويل كامل من ميزانية الدولة. وكان ينتظر منها تثبيت السكان وفك عزلة المقاطعة، التي شهدت خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ موجة نزوح شديدة بسب الجفاف والتصحر.
لقد ساهمت هذه الطريق في تخفيض التكلفة المادية والزمنية للرحلة بين مدينتي المذرذرة ونواكشوط، حيث انخفضت مدة الرحلة إلى النصف. كما أصبح في مقدور مختلف أصناف السيارات الوصول إلى مدينة المذرذرة على مدار السنة. واليوم وبعد مرور أكثر من عقد على اكتمال تشييد طريق “الوفاء”؛ إلا أن غياب الصيانة الدائمة يؤثر سلبا على كفاءتها.

3 -  طريق المذرذرة – التاكلالت- الركيز
  بدأت أشغال هذا الطريق يوم 12 مايو 2005، ويبلغ طوله 56 كلم من التربة المدعمة، بتمويل كامل من ميزانية الدولة بلغ 510 مليون أوقيةوتولت تنفيذ أشغاله شركة EBTR الوطنية.
ويمثل طريق المذرذرة - اركيز امتدادا لطريق تكند – المذرذرة، وقد ربط من جهة مدينة الركيز بمحور نواكشوط – روصو، ومن جهة أخرى مكن هذا الطريق من فك العزلة عن عشرات آلاف السكان في بعض القرى والتجمعات السكنية في المقاطعتين، وساهم في استغلال الموارد الزراعية والرعوية لمختلف تلك المناطق.

4 -  طريق تكند – المحيط الأطلسي
يبلغ طوله 16 كلم من التربة المدعمة، وقد بدأت أشغال إنجازه مع سابقه يوم 12 مايو 2005، بتكلفة 194 مليون أوقية من ميزانية الدولة. وتولت تنفيذه شركة TRANCTT الوطنية.
وكان طريق تكند – الأطلسي يهدف إلى تزويد مناطق تكند وروصو والمذرذرة واركيز وكل القرى المجاورة بالمنتجات السمكية، كما انتظر منه أن يساهم في تنمية وتطوير البنى التحتية السياحية على مستوى “تكند” و”لكليته” على الساحل الأطلسيوكذلك في توسع مدينة تكند ونموها الحضري أفقيا ذلك أن غالبية المدن والقرى تنحصر في شريط ضيق حول الطريق المعبد.
ومن المؤمل أن يلعب هذا الطريق دورا مهما في تنمية الصيد التقليدي والسياحة في المقاطعة، وبالتالي تحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية للسكان.

ثالثا: بعض ملامح التحولات السكانية
يمكن ملاحظة التحولات السكانية في مقاطعة المذرذرة؛ من خلال تطور العدد الجملي لسكانها ونمط إقامة هؤلاء السكان. فقد أدت العزلة التي عانت منها أجزاء واسعة من المقاطعة إلى نزوح سكاني كبير لم تخف وتيرته إلا منذ منتصف التسعينيات. وفي المقابل ساهم بناء الطرق البرية المعبدة والممهدة في تعزيز ظاهرة التقري بين السكان.

1 -  الحجم السكاني لمقاطعة المذرذرة؛ بين التناقص والانتعاش
عرف عدد سكان المقاطعة تناقصا حادا خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، حيث انتقل من 42306 نسمة سنة 1977 إلى 27087 نسمة سنة 1988[14]؛ أي بمعدل نمو سكاني سالب بلغ 35.97- %. ويرجع هذا التناقص إلى اشتداد موجات الجفاف التي توالت على المنطقة منذ مطلع السبعينيات، إضافة إلى عزلة أجزاء واسعة من المقاطعة.
لقد نزح سكان المذرذرة نحو نواكشوط، ولكن أيضا باتجاه القرى التي نشأت على محور نواكشوط روصو ضمن الحدود الإدارية لمقاطعتي روصو وكرمسين، ويمثل انتقال مركز الإمارة (المحصر) إلى مقاطعة كرمسين أبرز مثال على ذلك النزوح. بل إن بعض الآبار القديمة قد هجرتها مجموعاتها القبلية لتستقر في مقاطعة واد الناقة خاصة على امتداد محوري تكند – نواكشوط ونواكشوط – بتلميت.
وهكذا سجلت مقاطعة المذرذرة بين سنتي 1977 و1988 ثاني أفل نسبة في نمو عدد التجمعات السكانية بين مقاطعات الترارزة. إذ انتقل عدد المستقرات العمرانية بالمذرذرة من 65 تجمعا سنة 1977 إلى 70 تجمعا سنة 1988[15]، أي بمعدل زيادة لم يتجاوز 7.69 %، مقابل 88.46 % و 66.66 % و50 % و 43.9 % في مقاطعات واد الناقة وكرمسين وروصو وبتلميت على التوالي[16].
لكن بناء طريق تكند – المذرذرة ساهم في ظهور عديد التجمعات السكانية الجديدة على طوله، مثل “المقام” و”أم أجنيح” و”تندغيدسات”، وكذلك “الدار البيضاء” التي أعيد إعمارها بعد إنشاء الطريق. وقد بلغ مجموع سكان هذه التجمعات سنة 2000 حوالي 1000 نسمة. هذا فضلا عن عدة تجمعات سكانية أخرى؛ ظهرت على طول الطريق بعد عام 2000.
كما شهدت مدينة المذرذرة و”حواضر” أخرى كانت قائمة عودة بعض قدماء سكانها في شكل هجرة عكسية. ويكفي مثلا أن نذكر أن عدد سكان مدينة المذرذرة انتقل من 2190 نسمة سنة 1988 إلى 4038 نسمة سنة 2000[17]، أي بزيادة قاربت الضعف. وهكذا انتعش حجم سكان المقاطعة ليصل 30424 نسمة في تعداد 2000[18]، مسجلا زيادة معتبرة بلغت 12.31 % مقارنة بتعداد 1988 .
لقد تناقصت كثافة السكان بمقاطعة المذرذرة من 5.58 نسمة / كلم المربع سنة 1977 إلى 3.57 ساكن / كلم المربع سنة 1988، لتبلغ 4.01 نسمة / كلم المربع سنة 2000.
ولكن هذه الكثافة العامة تخفي وراءها تفاوتات مجالية حادة في توزيع السكان بين بلديات المقاطعة الخمس، تعززها باستمرار عوامل طبيعية وبشرية كالجفاف وتوزيع البنى الأساسية الطرقية والاجتماعية.

2 -  تفاوتات مجالية في توزيع السكان
يتوزع سكان مقاطعة المذرذرة بشكل متفاوت بين بلدياتها الخمس، ففي سنة 2000 سجلت بلدية تكند الساحلية حجما سكانيا بلغ 12170 نسمة وهو ما يعادل 40 % من سكان المقاطعة،  وهي البلدية التي يخترقها الطريق المعبد نواكشوط – روصو. بينما بلغت حصة بلدية المذرذرة المركزية 6858 نسمة أي ما نسبته 22.54 %، في حين  كان نصيب بلدية الخط في الجنوب الشرقي 5926 نسمة أي ما يمثل 19.47 %، أما بلديتا أبير التورس والتاكلالت فقد سجلتا على التوالي 2744 و2726 نسمة، وهو ما يمثل 9.01 % و8.96 % من سكان المقاطعة سنة 2000[19].

3 -  شيوع ظاهرة التقري وتناقص نسبة الرحَل
أدى تشييد طريق نواكشوط – روصو؛ إلى تغيير كبير في خريطة توزيع السكان بمقاطعة المذرذرة، وذلك من خلال نزوح سكان عدة تجمعات للاستقرار على جنبات الطريق، وبتشجيع ظاهرة التقري بين السكان الرحل.
وهكذا احتلت بلدية تكند الواقعة على امتداد الطريق المعبد المرتبة الأولى بين بلديات مقاطعة المذرذرة من حيث عدد التجمعات السكانية فمن بين 93 تجمعا سكانيا في عموم المقاطعة سنة 2000 استأثرت بلدية تكند بـ 57 منها أي ما يمثل أزيد من 60 %. مقابل 18 تجمعا سكانيا في بلدية الخط و13 في بلدية المذرذرة و3 تجمعات في بلدية التاكلالت و2 فقط في بلدية أبير التورس[20].
لقد عرفت نسبة السكان الرحل في مقاطعة المذرذرة تناقصا مستمرا خلال العقود الثلاثة الأخيرةحيث تراجعت من 58.5 % سنة 1977، إلى 22.9 % سنة 1988، لتصل سنة 2000 إلى نسبة 14.8 % من سكان المقاطعة (المكتب الوطني للإحصاء، نتائج التعدادات).
ورغم هذا التراجع في نسبة السكان الرحل إلا أن مقاطعة المذرذرة سجلت سنة 2000 أعلى نسبة من السكان الرحل بين نظيراتها في الولاية، بعد أن كانت تحتل المرتبة الرابعة سنة 1977 مسبوقة بمقاطعات واد الناقة وبتلميت وكرمسين على التوالي. وفي سنة 1988 احتلت المرتبة الثانية بين مقاطعات الترارزة من حيث نسبة الرحل من ساكنتها مسبوقة بمقاطعة كرمسين (المكتب الوطني للإحصاء، نتائج التعدادات).
   إن التراجع المستمر في نسبة السكان الرحل يترجم استقرار هؤلاء السكان ، أحيانا في مناطق ذات موارد طبيعية محدودة، الأمر الذي يطرح إشكالية صلاحية مواضع الاستقرار، ويضع الإدارة أمام خيار منح الأولوية لتجهيز القرى بالبنى القاعدية (الماء، التعليم، الصحة) لمواكبة هذا التحول السكاني[21].

خلاصة واستنتاجات
  عانت معظم أجزاء مقاطعة المذرذرة من عزلة خانقة، إذ تنكبتها مسارات معظم الطرق المعبدة التي شيدت في ولاية الترارزة حتى الآن. وإذا كان طريق نواكشوط - روصو المشيد بين سنتي 1967 و 1970 قد عبر بلدية واحدة من بلديات المقاطعة الخمس هي تكند. فإن مرور طريقي: الأمل (1975 – 1984) شمالا؛ وروصو – بوكي ( - 2010) جنوبا؛ جعل قلب الترارزة -والذي تمثله بلديات المذرذرة الأخرى- يشكو من عزلة حادة لم تخف وطأتها إلا مع تشييد طريقي التربة المدعمة تكند – المذرذرة والمذرذرة – الركيز.
لقد أظهرت نتائج تعداد سنة 2000 للسكان والمساكن أهمية الوزن الديمغرافي لبلدية تكند الساحلية إذ سجلت حجما سكانيا مثل 40 % من مجموع سكان مقاطعة المذرذرة كما ضمت أكثر من 60 % من التجمعات السكانية بها، ولا يخفى هنا دور الطريق المعبد نواكشوط – روصو في تعزيز جاذبية بلدية تكند للسكان، وفي تركيز عدد هام من التجمعات السكانية؛ ذات الأحجام الصغيرة والمتقاربة في آن واحد.
ورغم ارتباط عاصمة مقاطعة المذرذرة بشبكة الطرق البرية الوطنية من خلال طريق ممهد، فإن سكان المدينة يتطلعون إلى اليوم الذي تصلهم فيه طريق معبدة. وفي انتظار ذلك ربما يجد أبناء المذرذرة أملا جديدا في مشروع سكة الحديد المزمع بناؤها بين نواكشوط ومنجم “بوفال”، والتي ينتظر أن تخترق بلديات المقاطعة الشمالية.

 مرجع سبق ذكره op cit
نفس المرجع نفس الصفحة idem
نفس المرجع  ibid

الهوامش


[1] ابن أحمد يورة (أمحمد) – 1992: إخبار الأحبار بأخبار الآبار، تحقيق: أحمد (جمال) ولد الحسن، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص: 56.
[2] ولد حامدن (سليمان) – 2003: تنظيم النقل الطرقي وتنظيم المجال بموريتانيا، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمقة في الجغرافيا، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 2002 – 2003. ص: .
[3] ولد الحسين (الناني) – 2007: صحراء الملثمين؛ دراسة لتاريخ موريتانيا وتفاعلها مع محيطها الإقليمي خلال العصر الوسيط، دار المدار الإسلامي، بيروت، ص: 271.
[4] نفس المرجع، ص: 52 – 53.
[5] نفس المرجع، ص: 88.
[6] ابن حامدن (المختار) – 2000: موسوعة حياة موريتانيا (1)، التاريخ السياسي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 27.
[7] ولد الحسي (الناني) – 2007: مرجع سبق ذكره، ص: 427.
[8] نفس المرجع، ص: 272.
[9] ابن حامدن (المختار) – 1993: حياة موريتانيا ((الجغرافيا))، منشورات معهد الدراسات الافريقية، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص: 160.
[10] ODETTE (D. P.) – 1954: la piste Maroc – Sénégal, Librairie Plon, Paris, p: 7.
[11] Idem.
[12] O. N. S. – 2008: Trarza en chiffres 2000 – 2007, p: 48.
[13] ولد حامدن (سليمان) – 2003: مرجع سبق ذكره، ص: .
[14] O. N. S. – 2008: op.cit, p: 17.
[15] Ministère de l'Habitat et de l'Urbanisme et de l'Aménagement du Territoire – 2009: stratégie de l'Encadrement de la sédentarisation, Rapport Provisoire, p: 10.
[16] ibid, p: 10 – 11.
[17] O. N. S. – 2008: op.cit, p: 17.
[18] Idem.
[19] Idem.
[20] Idem.
[21] Ministère de l'Habitat et de l'Urbanisme et de l'Aménagement du Territoire – 2009: Op.cit, p: 9.
تابع القراءة Résuméabuiyad